أم أو أب يعيشون حياتهم مع ابنهم أو ابنتهم من ذوي الإعاقة ولا تظهر عليهم أي معالم التذمر أو التضجر أو الشكوى ومع هذا قد يمر في طريقهم من يغمرهم بأحكامه النابعة من إدراكه الخاص مثل: كم هو صعب ما تمر به! كيف تتحمل هذا؟ لابد أنك تعاني كثيراً! لو كنت مكانك لما كنت سأتحمل هذا! أتوقع أن الكثير من الناس لن يصبروا لو كانوا مكانك!
وهنا سؤال جوهري.. لم َ يشعر بعض الأشخاص في المجتمع بأريحية بالغة في استخدام هذه اللغة المتمثلة في إطلاق مثل هذه العبارات الملغمة بالأحكام المسبقة والتوقعات الحدسية تجاه أسرالأشخاص ذوي الإعاقة؟ خاصة أولئك ممن يبدو عليهم الشعور بالرضا والراحة والتعايش الإيجابي مع أبنائهم.. وسؤال مهم آخر ماذا نتوقع مشاعر هذه الأم أو هذا الأب تجاه عبارات كهذه؟ ماهو وقعها عليهم؟ بشكل عام كيف يدركون ويستقبلون أحكام كهذه في تفاعلاتهم الاجتماعية؟
لنعود لبداية القصة وهي وجود طفل أو بالغ من ذوي الإعاقة لدى أسرة من الأسر.. إنها تجربة خاصة فريدة بكل معنى الكلمة .. بمعنى أن كل تجربة مختلفة عن غيرها، كل شخص يستقبلها بطريقته وبإدراكه.. سيؤثر في ذلك تفسيره لهذه التجربة و العزو السببي الذي يتبناه.. سيؤثر في ذلك أيضاً السمات النفسية التي يمتلكها كالصلابة النفسية وغيرها.. كما أن المساندة الاجتماعية التي يتلقونها ممن حولهم تختلف كذلك من تجربة لتجربة.. وعشرات الأسباب غيرها.. إن من يلتقي بهذه الأسر قد لا يكون لديه معلومات عن كل هذه التفاصيل وبالتالي قد يلجأ إلى معالجة عقلية حدسية تلقائية تعكس مخطوطته الذهنية التي بنيت مسبقاً عن الإعاقة وخبراته المحدودة المرتبطة بها ويقوم بتعميم ذلك على كل من يواجهه.. تحيز الفاعل الملاحظ قد يبرز هنا كذلك ..وهنا لنا وقفة! لنستبصر ونتذكر أن من أطلقنا عليهم أحكامنا السريعة والمسبقة النابعة من إدراكنا الخاص قد تكون غير دقيقة بتاتاً.. إدراكنا الذي نثق به كثيراً هو ملئ بالتحيزات الذهنية التي قد لا تكون في مستوى وعينا..
إن هذه الأم التي أغرقتها بكلمات الدهشة والتعجب قد تكون هي من تتعجب من جراءتك في إطلاق الأحكام على الآخرين وتهمس لنفسها: لمَ يقول هذا؟ أنا سعيدة بابني! وذلك الأب الذي أدركت تجربته أنها حدث لا يطاق قد يرى هذه التجربة أجمل معلم له على الإطلاق .. قد يدركها هو أنها تجربة أوصلته لعمق معنى الحياة ..
من جهة أخرى قد تواجه هذه الأسر من يسمح له فضوله _ والذي قد يكون حسن النية_ أن يقرأ مشاعرهم تجاه ابنهم أو ابنتهم دون أي بينة و يقرر أنها بالتأكيد مشاعر حزينة سلبية.. وهنا لنتذكر أن بعض الآباء والأمهات بالفعل قد تغمرهم مشاعر سلبية كالحزن أوالخوف أوالغضب أو غيرها.. ولكن بالمقابل لنتذكرأن هناك من تغمرهم مشاعر الرضا والطمأنينة والسعادة والفخر بأبنائهم..
وأخيراً لنتمهل كثيراً عندما نتحدث ونتعامل مع الآخرين.. لنتذكر إن أفكارنا ليست بالضرورة حقائق.. لنتأمل بهدوء لغتنا المستخدمة مع الأشخاص الذين يعيشون تجاربهم الخاصة .. عدم قدرتك على تخيل ذاتك في نفس تجاربهم لا يعني أنهم يعيشون بالفعل ما لا تستطيع أنت تخيله.. ولنتذكر أن إدراكنا ملئ بالتحيزات الذهنية التي لا نعيها.. وبالتالي لنقدرتجارب الآخرين مهما كانت ونعطي مشاعرهم الخاصة فرصة كي تعبرعما يعيشونه بكل راحة وحرية..
بقلم/ ريم عبدالرزاق

تعليقات
إرسال تعليق