التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كم أنت عظيم!


"لابد أنك تملك قوة خارقة لأنك لم تستسلم وخرجت للملأ ولم تتقوقع على ذاتك"، " إذا كان علي أن أعيش مثلك ما كنت لأحتمل ولربما كنت سأؤذي نفسي"، "ما أقواك أنت لم تدع الألم يعيقك، هذا فعلاً شيء عظيم".
لماذا يشعر المتفرجون الغرباء  بالحرية في الإدلاء بمثل هذه التعليقات للأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم؟ كيف تتوقعون أن تكون ردة فعل الأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم إزاء هذه النوعية من التعليقات؟ وبشكل أعم كيف يتم استقبالها وإدراكها من قبل الآخرين في سياق التفاعلات الاجتماعية ؟
سأتناول في هذا المقال بعض المفاهيم النفسية الاجتماعية من خلال دراسات وأبحاث علم النفس الاجتماعي للإعاقة والتي ركزت على عمليات التبادل الاجتماعي وعمليات إدراك الذات الخاصة بين الأشخاص ذوي الإعاقة.
بداية لنطرح تساؤلاً وهو كيف تؤدي وجهات النظر المختلفة إلى استنتاجات مختلفة حول تجربة الإعاقة؟  نعم قد تكون الإعاقة مفهوم واحد متعارف عليه لكن إدراك هذه الإعاقة كيف سيكون؟ فحتى لو تشابه نوعها سيختلف إدراكها كلياً من شخص لآخر..
أول مفهوم من مفاهيم علم النفس الاجتماعي والذي سنفسر من خلاله إدراك المتفرجين لتجربة الإعاقة لأحدهم أو العيش معه هو تحيز الفاعل الملاحِظ أو (تحيز الفاعل_المراقِب) actor- observer bias  والذي يعني الميل إلى عزو سلوك الآخرين إلى أسباب داخلية او مزاجية ولكن سلوكنا الخاص إلى أسباب خارجية وظروف موقفية
؛ مثلاً عند رؤية شخص يرتكب حادث قد يفسر ذلك أن هذا الشخص متهور ومندفع بينما لو حدث ذات الأمر للفرد نفسه قد يميل إلى عزو ذلك إلى أسباب موقفية خارجية مثل سوء القيادة من قبل الآخرين، او الازدحام الشديد أو غيره.
وفي حالة الأشخاص ذوي الإعاقة فإن رؤية شخص على كرسي متحرك مثلاً  في مكان عام  قد يكون كافياً لإثارة مشاعر الحزن والشفقة على الشخص والاعتقاد بمعاناته الدائمة في أذهان العديد من المتفرجين.
تمارا ديمبو والتي كانت طالبة لدى عالم النفس الاجتماعي ليفين في أوائل التسعينيات أدخلت مفهوماً مثيراً للاهتمام يتعلق بالإعاقة وفي نفس الوقت يتعلق بالتحيزات العزوية وتحديداً تحيز الفاعل-المراقب. أشارت ديمبو إلى التمييز ما بين الداخل والخارج insider outsider distinction. لقد ميزت ديمبو بين الأشخاص الذين لديهم إعاقة أو الذين يتلقون علاجاً تأهيلياً وأسمتهم insiders   وما بين أولئك المراقبين الخارجيين من غير ذوي الإعاقة وأسمتهم  outsiders وهم الذين يسعون لتخيل ما الذي يجب أن تكون عليه تجربة الإصابة بإعاقة أو تلقي التأهيل. هؤلاء الأشخاص ال outsiders يقومون بدور المراقب او الملاحِظ، أما الأشخاص ذوي الإعاقة أو ال insiders  فيقومون بدور المشارك (بحكم أنهم هم الذين يعيشون التجربة) واستناداً لمفاهيم تحيز الفاعل _المراقب فإن أثر العوامل الموقفية الخارجية بالنسبة لل outsiders يعتبر  بسيط ولا يكاد يذكر .. إن التمييز بين من يعيش التجربة ومن يراقبها هو تمييز مهم؛ فالنسبة لهؤلاء الأشخاص  المراقبون outsiders هم عادة يفترضون أنهم يعرفون ماذا يعني أن يكون لدى الشخص إعاقة جسدية أو حسية أو غيرها أو أن تعيش مع شخص ذو إعاقة .. هم يفترضون أن هذه الإعاقة لابد أن تكون فظيعة أن تكون مهينة ومؤلمة ومدمرة للحياة اليومية.. يعتقد هؤلاء المراقبون أو ال outsiders أن الإعاقة بحد ذاتها لابد أن تكون بالضرورة الشغل الشاغل للأشخاص ذوي الإعاقة أو insiders على مدار روتينهم اليومي.. لدرجة أن هؤلاء المراقبين قد يعتقدون أن عيش حياة طبيعية أو سعيدة للأشخاص ذوي الإعاقة أو من يعيشون معهم هو أمر غير ممكن على الإطلاق .. إنهم يثقون بصورة مفرطة من دقة معتقداتهم وإدراكاتهم الشخصية فيما يتعلق بالإعاقة. وهو ما وصفه علماء النفس الاجتماعي ب السذاجة الواقعية أو naieve  realism.  حيث يعتقدون أن وجهة نظرهم عن الواقع هي الحقيقة الواقعية وليست تفسيراً شخصياً متخيلاً وهي في الواقع شكلاً من أشكال الإسقاط النفسي لتجربة الآخر أو تجارب الآخرين. كذلك في بعض الأحيان قد ينتهي الأمر بتعظيم أو تهوين بعض الأمور من قبل المراقبين outsiders  تجاه من يعيشون تجربة الإعاقة ال insiders
على سبيل المثال ذكر شخص يدعى بوركارو كان يعاني من ضمور العضلات  أنه تلقى العديد من التعليقات من الغرباء المراقبون بشأن وضعه وعظمة أن يكون لديه إعاقة حيث لديه امتيازات تجاوز الصفوف الطويلة في الانتظار أو الجلوس في الصفوف الأمامية في المناسبات الرياضية والترفيهية المهمة .. كان إدراك بوركارو عن هؤلاء الأشخاص بأنهم طيبون من خلال محاولتهم تسليط الضوء في أذهانهم على ما يجب أن يكون جانباً إيجابياً في الإعاقة ولا يتخيلون الصعوبات التي قد يواجهها الشخص يومياً في حياته متنقلاً بكرسيه المتحرك..
في الواقع فإن وجود أو عدم وجود إعاقة لا يتنبأ بنوعية الحياة التي يعيشها الشخص والتي تتكون من العديد من الجوانب المختلفة مثل (الصحة النفسية، مستوى التوتر ، الصحة الجسدية، الظروف البيئية والاجتماعية وغيرها)
من المرجح  أن يعتبر معظم ال insiders أو الذين يعيشون هذه التجربة أن الإعاقة ماهي الا جزءاً من شخصيتهم وخاصة إذا كانت قد ولدوا بها أو عاشوا بها لفترة طويلة من الزمن. وهكذا تتحول الإعاقة إلى صفة مثل الطول أو الوزن أو لون العينين أو لون الشعر. هي شيء موجود ولكن لا يخطر بباله كل لحظة وكل دقيقة إلا إذا برز سبب ما.. تجدر الإشارة هنا أن هذا التحليل لا يهدف إلى التقليل من خطورة الإعاقة أو التقليل منها، بل الهدف هو إدراك أنه غالباً لا توجد صفة شخصية سواء كانت جسدية أو غيرها تحظى باهتمام مستمر ودائم على مدار اللحظة من الشخص الذي يمتلكها. إن اهتمامنا وتأملنا الذاتي يتغير بناء على المواقف والأشخاص الذين نقابلهم.. بطبيعة الحال يُفضل العديد من الأشخاص ذوي الإعاقة أو insiders (مع عدم إغفال الفروق الفردية بالطبع) على التركيز على ما يمكنهم إنجازه.. غالباً هم لا يفكرون في إعاقتهم طوال الوقت، إن التركيز على الإعاقة قد يكون ناجماً عن بعض القيود الخارجية في البيئة كعدم وجود لافتات برايل للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، أو عدم وجود منزلقات للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية ممكن يستخدمون كراسي متحركة، أو حتى التعليقات الفضولية وغير المبررة من المراقبين أو ال outsiders للأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم .. أو بعض السلوكيات مثل التحديق المطول بالشخص، أو التحدث بنبرة طفولية أو الحديث للمرافق وتجاهل الشخص ذي الإعاقة أو التعبير المبالغ فيه سواء لفظياً أو بلغة الجسد عن الشفقة و التعاطف السلبي وغير الضروري.. مع أن المثالي هو التواصل بصورة طبيعية التواصل بالعين بنبرة الصوت العادية والسلوكيات الودية المعتادة و الاستعداد للمساعدة إن طلب منهم ذلك. إن ما يحب أن يكون واضحاً- ولكن غالبا ما يتم تجاهله- هو الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن الأشخاص ذوي الإعاقة ( insiders)  يعيشون مع الإعاقة بصورة دائمة وبشكل مستمر بينما تظهر الإعاقة كسمة جديدة وبارزة في أذهان المراقبين الخارجيين، في الواقع يميل هؤلاء إلى النظر للإعاقة كحالة حادة أي التحول المفاجئ لحالة الإعاقة، وليست عاملاً مزمناً منسوجاً في النسيج الأكبر لحياة الأشخاص ذوي الإعاقة.. وأخيراً من المثير للاهتمام أن الدراسات العلمية أشارت إلى الأشخاص ذوي الإعاقة أو insiders الذين يتلقون خدمات طبية أو تأهيلية غالباً ما يكون لديهم اتجاهات إيجابية تجاه التجربة أكثر من الأشخاص   أوالمراقبين الخارجيين outsiders) ).
 وختاماً لنتذكر أن أفكارنا حول الأشخاص ذوي الإعاقة _هم أو أسرهم_ هي مجرد اعتقادات مبنية على إدراكات شخصية وليست بالضرورة أن تعبر عن الواقع الحقيقي لما يعيشونه.

المرجع: 

Dunn, D. (2014). The social psychology of disability. Oxford University Press.
ISO 690

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التميز المقيت  يقول عالم النفس ويليام جيمس "أعمق مبدأ في الطبيعة البشرية هو الرغبة أن يكون الشخص موضع تقدير" يسعى الفرد خلال حياته أن يكون متميزاً.. عبارة بديهية اعتدنا على سماعها.. بل واعتبرت علمياً واحدة من الاحتياجات الإنسانية فقد عبّر عنها ماسلو بالحاجة لتقدير الذات، وعبر عنها جلاسر بالحاجة للقوة .. من المعتاد بل من الطبيعي أن نجد من يكون متميزاً بطبيعته كأصحاب المواهب والإبداعات .. أو من يدركون نقاط قوتهم و مهاراتهم ويوظفونها لشق طريق تميزهم .. وهناك من يسعى أن يتميز في مجالات عدة كأن يسعى أن يتميز دراسياً   أو مهنياً .. الخ   أو أن يترك بصمات مؤثرة من تميزه التي قد يكون أقل آثارها   تغيير حياة الأفراد الآخرين للأفضل .. و لكن! ماذا إن كان السعي للتميز على النقيض بصور أخرى .. سلوكيات سلبية غير فعالة كثيرة إن تم تحليلها فسنجد واحدة من فرضيات تفسيرها هو   السعي نحو التميز بأي شكل و بأي ثمن .. فقط ليجلب له الأنظار و ليقال فلان فعل و فلان قال .. و ماهو إلا تميز مقيت مبني على توظيف نقاط قوة بشرية بطريقة سلبية و غير فعالة .. فمنهم من يحترف النقد على كل صغيرة و...