التميز المقيت
يقول عالم النفس ويليام جيمس "أعمق مبدأ في الطبيعة
البشرية هو الرغبة أن يكون الشخص موضع تقدير"
يسعى الفرد خلال حياته أن يكون متميزاً.. عبارة بديهية اعتدنا
على سماعها.. بل واعتبرت علمياً واحدة من الاحتياجات الإنسانية فقد عبّر عنها ماسلو
بالحاجة لتقدير الذات، وعبر عنها جلاسر بالحاجة للقوة ..
من المعتاد بل من الطبيعي أن نجد من يكون متميزاً بطبيعته كأصحاب المواهب والإبداعات .. أو من يدركون نقاط قوتهم و مهاراتهم ويوظفونها لشق طريق تميزهم .. وهناك من يسعى أن يتميز في مجالات عدة كأن يسعى أن يتميز دراسياً أو مهنياً .. الخ أو أن يترك بصمات مؤثرة من تميزه التي قد يكون أقل آثارها تغيير حياة الأفراد الآخرين للأفضل .. و لكن! ماذا إن كان السعي للتميز على النقيض بصور أخرى .. سلوكيات سلبية غير فعالة كثيرة إن تم تحليلها فسنجد واحدة من فرضيات تفسيرها هو السعي نحو التميز بأي شكل و بأي ثمن .. فقط ليجلب له الأنظار و ليقال فلان فعل و فلان قال .. و ماهو إلا تميز مقيت مبني على توظيف نقاط قوة بشرية بطريقة سلبية و غير فعالة .. فمنهم من يحترف النقد على كل صغيرة وكبيرة .. يعارض كل شيء على وجه البسيطة حتى تخاله قد يعارض نفسه فقط كي يكون متميزاً عن غيره .. و منهم من يطلق العنان للسانه السليط فيشار إليه بالبنان هاهو المتميز بتجريح البشر بأفظع المفردات تجنبوه! و ذكرتني سلوكياته بقوله صلى الله عليه و سلم : (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)
صورة أخرى من التميز المقيت من يتعمد إحراج الآخر سواء ليرضي ذاته أو ليضحك من حوله أو لحاجة في نفسه .. و من أبشع الصور للتميز المقيت من يبحث و يتصيد أخطاء الآخرين وخاصة الناجحين منهم .. هو يبحث عن أخطائهم كأنه يبحث عن إبرة في بحر وما إن وجد خيطاً يقوده إلى مقدار ذرة من خطأ حتى ينتشي فرحاً و يخفق قلبه بنبضات الفوقية المُدرَكة كانتصار عظيم .. فيسارع بسرعة البرق أن يُشهِر به بين الناس.. انظروا فلان أخطأ .. و كأنه يستعرض عضلات مثاليته الزائفة أمام الخلق و للأسف ماهي في حقيقتها إلا نقصاً بيّناً فيه.. هو يعلم يقيناً أن لديه عشرات الطرق كي ينبه ذلك الشخص لذلك الخطأ البشري المتوقع من أي كان و لكن اختياره الأول كان فضحه على رؤوس الأشهاد كي يكون هو المميز و هو الأذكى ! و نرد على صاحبنا ذاك بـمقولة شهيرة (التغاضي عن أخطاء الآخرين من أرقى شيم المكارم) .. وكأنه يسعى أن يقول لهم بتصرفاته هل رأيتم .. ها أنا ذا ها أنا الأفضل أنا الأعلم أنا الذي لا أخطئ ..و في حقيقة الأمر هو متناسي بشريته التي جبلت لتخطئ و تصحح و تتعلم ..
و لا ننسى أولئك من يقومون بالوصاية على خلق الله .. لا تفعل .. لا تقل .. هذا أفضل لك و ذاك أسوأ ! أنا أفهم و أنتم لاتفقهون .. انظروا لي أنا محور الكون سعيد باختياراتي كونوا مثلي! و كأن البشر بانتظار أوامره .. و هو في جوهره لا يتجاوز أن يكون ممارسات أقرب للنرجسية و تفريغ انفعالي في غير محله..
ماسبق هي صور متنوعة لتميز أقل ما يوصف بتميز مقيت .. ينافي
الفطرة السليمة .. انتشرت ممارساته بصورة كبيرة .. تضرر منها الكثير .. و لكن ماذا
لو .. ماذا لو حُشِدت جيوش فصاحة صاحبنا اللغوية ووظفها في الخير و العطاء .. ماذا
لو وظفت مهاراته الخارقة في البحث و التنقيب عن أخطاء الآخرين لنفع البشرية .. ماذا
لو استفاد من وقته المهدر لاكتساب العلم وإنتاج الخير ونشره .. ماذا لو أصبح
وصياً على نفسه و يكون أكثر وعياً بذاته ليدرك نقاط قوته ويوظفها لتميز حقيقي .. أو أقل من ذلك فقط ليتأمل نقاط احتياجه وعيوبه و يصححها و
يترك البشر لخالقهم .. عشرات من "ماذا لو " تأملها وحده قد يجعل منه
متميزاً حقاً..
بقلم/ ريم عبدالرزاق
أخصائية نفسية
25/9/2020

تعليقات
إرسال تعليق