التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المخطوطات والتفكير التلقائي


المعالجة المعلوماتية التلقائية

تفكير غير واعٍ، غير مقصود، تلقائي، ولا يتطلب جهداً


المعالجة المعلوماتية التلقائية من خلال المخطوطات

يساعدنا التفكير التلقائي (المعالجة المعلوماتية التلقائية)  على فهم المواقف الجديدة بربطها بتجاربنا السابقة. عندما نلتقي بشخص جديد، لا نبدأ من الصفر لنكتشف كيف يبدو هو أو هي؛ إننا نقوم بتفيئة الشخص على أنه "طالب هندسة" أو "طالب طب" أو "موظف" أو "صديق" أو "قريب". نفس الشيء ينطبق على الأماكن والأشياء والمواقف. عندما ندخل إلى مطعم للوجبات السريعة لم نزره من قبل فإننا نعرف، وبدون تفكير، أننا لن نجلس على طاولة بانتظار النادل وقائمة الطعام. نحن نعرف أن علينا أن نتقدم إلى الكاونتر ونطلب، لأن تجربتنا السابقة تخبرنا تلقائيًا أن هذا ما نفعله في مطاعم الوجبات السريعة.

بصورة اصطلاحية أكثر، يستخدم الناس المخطوطات، وهي أبنية عقلية تنظم معرفتنا عن العالم الاجتماعي. هذا البناء العقلي يؤثر على المعلومات الذي نلاحظها ونفكر فيها ونتذكرها (Bartlett, 1932; Heine, Proulx, & Vohs,2006; Markus, 1977). مصطلح المخطوطة مصطلح عام؛ إنه يشمل معرفتنا بأمور كثيرةأشخاص آخرون وأنفسنا والأدوار الاجتماعية (على سبيل المثال؛ ماذا يفعل أمين المكتبة أو المهندس) وأحداث محددة (على سبيل المثال؛ ما يحدث عادة عندما يأكل الناس وجبة في مطعم). وفي كل حال، تحتوي مخطوطاتنا على معرفتنا الأساس وانطباعاتنا التي نستخدمها لتنظيم ما نعرفه عن العالم الاجتماعي وتفسير المواقف الجديدة. 

المخطوطات

أبنية عقلية يستخدمها الناس لتنظيم معارفهم حول العالم الاجتماعي والمواضيع أو الأفكار المؤثرة على المعلومات التي يلاحظها الناس ويفكرون فيها ويتذكرونها.


المخطوطات مفيدة لأنها تساعدنا في على تنظيم العالم وجعله ذو معنى ولسد الثغرات في معارفنا. فكر للحظة كيف سيكون الحال عندما لا يكون لديك مخطوطات على الإطلاق. ماذا لو كان كل شيء واجهته غير قابل للتفسير، مربك وخلافًا لأي شيء آخر كنت قد عرفته من قبل؟ هذا ما يحدث بشكل مأساوي للناس الذين يعانون من اضطراب عصبي يسمى متلازمة كورساكوف. الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب يفقدون القدرة على تكوين ذكريات جديدة ويعيشون كل موقف كما لو كانوا يتعرضون له لأول مرة حتى لو كانوا قد مروا به في الواقع مرات عديدة من قبل. من الممكن أن يكون أمرًا مزعجاًأو حتى مرعباًإلى الحد الذي يجعل بعض الناس المصابين بمتلازمة كورساكوف يذهبون إلى أبعد الحدود في محاولة لفرض معنى على تجاربهم، يقدم عالم الأعصاب Oliver Sacks (1987) الوصف التالي لمريض بمتلازمة كورساكوف يدعى طومسون:

 لم يتذكر شيئا لأكثر من بضع ثوان. كان مشوشا باستمرار. هاوية فقدان الذاكرة تنفتح تحته باستمرار، لكنه يحاول ردمها، برشاقة، من خلال أحاديث وخيالات طلقة من جميع الأنواع. بالنسبة له لم تكن تلك خيالات، ولكن كيف أصبح فجأة يرى العالم أو يفسره. كما أن تدفقها المتطرف وعدم اتساقها لا يمكن تقبله، والتسليم بصحته، ولو للحظةبدلاً من ذلك، كان هناك مستر تومبسون الغريب الهذائي، شبه المتسق بتلفيقاته المتواصلة التي تنهمر دون وعي، ويصوغ باستمرار عالما من حوله.. لأن مثل هذا المريض يتعين عليه حرفيا أن يخترع نفسه (والعالم) كل دقيقة. (pp. 109–110; emphasis in original)

باختصار، وجود الاستمرارية، والقدرة على ربط التجارب الجديدة بمخطوطاتنا السابقة، أمر مهم جداً لدرجة أن الناس الذين يفقدون هذه القدرة يخترعون مخطوطات لا وجود لها.

المخطوطات مفيدة بشكل خاص في مساعدتنا على معرفة ما يجري في مواقف مربكة أو غامضة. تأمل دراسة كلاسيكية أجراها هارولد كيلي (Harold Kelley, 1950) والتي قيل فيها لطلاب من شعب  مختلفة من أحد صفوف كلية الاقتصاد إن محاضرا زائرا سوف ينوب في ذلك اليوم. ولإنشاء مخطوطة حول ما سيكون عليه المحاضر الزائر، أخبر كيلي الطلاب أن قسم الاقتصاد كان مهتماً بكيفية رد فعل الفصول المختلفة على المدرسين المختلفين وأن الطلاب سيحصلون على مذكرة تحتوي على سيرة ذاتية قصيرة عن المدرس قبل وصوله. تضمنت المذكرة معلومات عن عمر المدرس، خلفيته، خبرته التعليمية، وشخصيته. ذكرت إحدى النسخ "الناس الذين يعرفونه يعتبرونه شخصًا دافئًا للغاية، مجتهدًا، ناقدًا، عمليًا، وحازمًا". أما النسخة الأخرى فقد كانت متطابقة باستثناء أن عبارة "شخص دافئ جدا" استبدلت بعبارة "شخص بارد نوعًا ما." تلقى الطلاب أوصاف هذه الشخصيات بطريقة عشوائية.

ثم أجرى المحاضر الضيف مناقشة دراسية لمدة 20 دقيقة، ومن بعدها قدّر الطلاب انطباعاتهم عنه. بالنظر إلى أن هناك بعض الغموض في هذا الوضعفالطلاب، على كل حال، قد شاهدوا المدرب لفترة وجيزة فقط، خمن كيلي أنهم سيستخدمون المخطوطة المقدمة من مذكرة السيرة الذاتية لملء الفراغات. وهذا ما حدث بالضبط. الطلاب الذين توقعوا أن يكون المدرس دافئاً منحوه تقديرات أعلى بكثير من الطلاب الذين توقعوا أن يكون بارداً على الرغم من أن جميع الطلاب لاحظوا نفس سلوك المدرس بنفس الطريقة. الطلاب الذين توقعوا أن يكون المدرس دافئاً هم أيضا أكثر احتمالاً أن يطرحوا عليه أسئلة وأن يشاركوا في المناقشة الصفية.

هل حدث هذا معك؟ هل أثرت توقعاتك عن أستاذ على انطباعاتك عنه أو عنها؟ هل وجدت، بما يكفي من العجب، أن الأستاذ تصرف كما كنت تتوقع؟ اسأل زميل الدراسة الذي كان لديه توقع مختلف عن الأستاذ ماذا كان هو/هي تعتقد. هل كانت لديكما مدركات مختلفة عن المدرس بناء على المخطوطات المختلفة التي كنتما تستخدمانها؟

بالطبع، الناس ليسوا عميانًا تمامًا عما هو في الواقع. أحيانا يكون ما نراه به وضوح نسبي وقد لا نحتاج إلى استخدام مخطوطاتنا لتفسيره  . لكن كلما كانت معلوماتنا غامضة ، كلما زاد استخدمنا مخطوطات لملء الفراغات.

من المهم ملاحظة أنه لا يوجد أي خطأ فيما فعله الطلاب في دراسة كيلي. طالما أن عند الناس سبب لاعتقاد أن مخطوطاتِهم دقيقة، يكون من المعقولُ جداً أن يَستعملونها لجلاء الغموض. حين يظهر لك شخص غريب في طريق ضيق مظلم ويقول "أخرج محفظتك،" مخطوطتك عن مثل هذه المواجهات تخبرك أن الشخص يريد سرقة أموالك، ليس لإبداء الإعجاب بصور (أفراد) أسرتك. هذه المخطوطة تساعدك على تجنب سوء فهم خطير وربما قاتل.

ترجمة بتصرف/ ريم عبدالرزاق

Social Psychology, Elliot Aronson, Timothy D. Wilson, Samuel R. Sommers, (10th edition) (2019) 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كم أنت عظيم!

"لابد أنك تملك قوة خارقة لأنك لم تستسلم وخرجت للملأ ولم تتقوقع على ذاتك"، " إذا كان علي أن أعيش مثلك ما كنت لأحتمل ولربما كنت سأؤذي نفسي"، "ما أقواك أنت لم تدع الألم يعيقك، هذا فعلاً شيء عظيم" . لماذا يشعر المتفرجون الغرباء  بالحرية في الإدلاء بمثل هذه التعليقات للأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم؟ كيف تتوقعون أن تكون ردة فعل الأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم إزاء هذه النوعية من التعليقات؟   وبشكل أعم كيف يتم استقبالها وإدراكها من قبل الآخرين في سياق التفاعلات الاجتماعية ؟ سأتناول في هذا المقال بعض المفاهيم النفسية الاجتماعية من خلال دراسات وأبحاث علم النفس الاجتماعي للإعاقة والتي ركزت على عمليات التبادل الاجتماعي وعمليات إدراك الذات الخاصة بين الأشخاص ذوي الإعاقة. بداية لنطرح تساؤلاً وهو كيف تؤدي وجهات النظر المختلفة إلى استنتاجات مختلفة حول تجربة الإعاقة؟  نعم قد تكون الإعاقة مفهوم واحد متعارف عليه لكن إدراك هذه الإعاقة كيف سيكون؟ فحتى لو تشابه نوعها سيختلف إدراكها كلياً من شخص لآخر .. أول مفهوم من مفاهيم علم النفس الاجتماعي والذي سنفسر من خلاله إدراك المتفرجين ...
التميز المقيت  يقول عالم النفس ويليام جيمس "أعمق مبدأ في الطبيعة البشرية هو الرغبة أن يكون الشخص موضع تقدير" يسعى الفرد خلال حياته أن يكون متميزاً.. عبارة بديهية اعتدنا على سماعها.. بل واعتبرت علمياً واحدة من الاحتياجات الإنسانية فقد عبّر عنها ماسلو بالحاجة لتقدير الذات، وعبر عنها جلاسر بالحاجة للقوة .. من المعتاد بل من الطبيعي أن نجد من يكون متميزاً بطبيعته كأصحاب المواهب والإبداعات .. أو من يدركون نقاط قوتهم و مهاراتهم ويوظفونها لشق طريق تميزهم .. وهناك من يسعى أن يتميز في مجالات عدة كأن يسعى أن يتميز دراسياً   أو مهنياً .. الخ   أو أن يترك بصمات مؤثرة من تميزه التي قد يكون أقل آثارها   تغيير حياة الأفراد الآخرين للأفضل .. و لكن! ماذا إن كان السعي للتميز على النقيض بصور أخرى .. سلوكيات سلبية غير فعالة كثيرة إن تم تحليلها فسنجد واحدة من فرضيات تفسيرها هو   السعي نحو التميز بأي شكل و بأي ثمن .. فقط ليجلب له الأنظار و ليقال فلان فعل و فلان قال .. و ماهو إلا تميز مقيت مبني على توظيف نقاط قوة بشرية بطريقة سلبية و غير فعالة .. فمنهم من يحترف النقد على كل صغيرة و...