التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لؤلؤة قلب

لؤلؤة قلب

في كثير من الأحيان يكون الضغط سواء الحقيقي أو المدرك لأسر الأشخاص ذوي الإعاقة وبالتحديد ذوي الاضطرابات النمائية والإعاقات الذهنية (ممن تشيع لديهم السلوكيات الصعبة) من عدة مصادر. هذه الضغوطات تَنتج من مجموعة واسعة من العوامل المتشابكة التي يجتهد الوالدين كثيراً في تفكيكها.. هي تختلف في تأثيراتها من شخص لآخر. إن للجانب الإدراكي الذهني للوالدين وكيفية معالجتهم العقلية لهذه التحديات وطريقة تفسيرها وعزوها دور في تقدير ما يعايشونه.. ولا نغفل أهمية دور الجانب العاطفي والانفعالي للوالدين، فمشاعرهم الفطرية تجاه ابنهم أو ابنتهم (في الحالات الشائعة) قد لا تختلف عن مشاعر أي أم أو أي أب لطفل من ذوي النمو المثالي من حب ورحمة وتمني الأفضل والسعادة والخير لطفلهم. إنهم يدركونه كلؤلؤة ثمينة تسكن قلوبهم، لكن ما يميز مشاعرهم أنها في كثير من الأحيان تتداخل وتتصارع و تختلط بمشاعر سلبية غير محببة مثل الحزن والإحباط سواء كان ذلك الموجه نحو طفلهم أو تجاه أنفسهم. مثلاً  قد يكون ذلك بسبب تعثرهم في التعامل مع طفلهم بصورة فعالة و يبرز ذلك جلياً في مواقف عديدة مثل مواقف السلوكيات الصعبة في الأماكن العامة من بكاء أو صراخ أو غيره مما ينتج عنه مجموعة واسعة من الانفعالات الحادة لدى الوالدين من حزن عميق وإحباط وإحراج وأحياناً غضب وشعور بالذنب قد يليها بعض مشاعر التعب والإنهاك والتي قد تُختم بالرضا أو الرفض.. ولنا وقفة مع هذه المشاعر.. إن تصارع أجمل وأرق مشاعر الدنيا مع أقساها يتولد عنه مشاعر عجيبة في تكوينها، متفردة في آثارها، وقد يعجز الكثير من الآباء والأمهات عن وصفها.. وهنا تبرز لنا أهمية الإدراك والتفسير في المساعدة على التقبل والتأقلم والتعايش مع هذه المواقف مع الطفل أو البالغ بالرغم من صعوبتها.  من ناحية أخرى إن ذلك لا يقل أهمية عن التنفيس والتفريغ الانفعالي للوالدين، وأهمية الاعتناء بصحتهم النفسية في ظل كومة المشاعر المتناقضة التي يعيشونها في مواقف قد تكون شبه يومية إن لم يتم التدخل بمختلف أشكاله. وذلك يقودنا للجانب الآخر من مصادر الضغط المدرك وهو ذلك المتعلق بالحاجة إلى الدعم والمساعدة.. قد لا يتخيل الكثير مدى حاجة هذه الأسرة للدعم النفسي بمختلف أشكاله، الحاجة للإرشاد النفسي الذي يساعدهم على الخروج بابنهم أو ابنتهم للمجتمع، الحاجة لتقبله إن فعل شيئاً من السلوكيات الصعبة على الملأ.. الحاجة إلى الأريحية في التحرك والخروج بدون أن يضطروا إلى تعليق لوحة تبريرية على صدورهم "طفلنا من ذوي الإعاقة تقبلوه ولا تركزوا معنا كثيراً" .. نعم بالفعل إن مستوى ثقافة وتحضر المجتمع وتقبله له دور كبير في نجاح الدعم النفسي .. مثل عدم إطلاق النظرات الفضولية والممتلئة بإطلاق الأحكام الاستباقية الغير دقيقة على الوالدين والطفل أو إلقاء كلمات سلبية بعيدة كل البعد عن احترام الخصوصية. ناهيك أيضاً عن "تعفف" الكثير من الأسر عن طلب المساعدة والدعم وخاصة من الأقارب والأصدقاء أو أفراد العائلة الممتدة، أو انتظار من تجود به لطافته وإنسانيته وحسه العالي على تقديم عطاء راقي خالي من الشفقة أو المنة، مع التأكيد على أهمية الابتعاد عن لوم الآخرين مقدار أنملة حتى في باطن عقولهم، فهذا نعم أولاً وأخيراً مسؤولية الأسرة الذاتية،  ولكن بديهياً لا يخلو الأمر من المسؤولية المجتمعية .. و لنتذكر أن العطاء والدعم الذي نقصده ليس مالاً، وليس نصائح جافة معلبة مقولبة متجردة من التفهم والتعاطف، تنأى النفوس عن تقبلها على أبنائهم ولكن للأسف وبكل أريحية يتم إغراق أسر الأشخاص ذوي الإعاقة بها. وهنا همسة بسيطة خافتة في آذانهم "عاملوا الناس كما تحبوا أن يعاملونكم" .

 إن الدعم قد يكون للبعض عبارة عن كلمات صادقة بعيدة عن الشفقة.. للبعض الآخر قد يكون بمساعدتهم في الخروج إلى نزهة جميلة بمفردهم.. أو بشكل عام قد يكون ببساطة في سؤالهم بكل صدق " هل يمكننا المساعدة؟ وكيف يمكننا ذلك؟"  وبعيداً عن هذه الآمال الوردية التي قد يتم انتظار تحققها كثيراً .. فقد يكون من الأصح والأسهل والأسلم والأكثر استقلالية وراحة في الكثير من الحالات هو طلب الدعم والمساندة من المراكز المتخصصة بعيداً عن العواطف وعلاقات المقربين..

 وأخيراً هذه لمحة مختصرة عن بعض الضغوطات النفسية والاجتماعية ومصادرها كما يعيشها أو يُدركها بعض أسر الأشخاص ذوي الإعاقة.. نختم هذه السطور بأهمية إدراك المسؤولية الذاتية لكل أفراد المجتمع.. لكلٍ دور مهم، ولكلٍ مسؤولية اجتماعية تجاههم، كلٌ من موقعه وكلٌ من مكانه.. هي كلمات صادقة مفعمة بالإحساس بالآخر، هي أفعال مهتمة، مفصلة بحسب احتياجات الأسرة، هي تمكين، هي دعم حقيقي يقدّر بكل واقعية ما يعيشونه من تحديات، وما يدركونه من مواقف، وما يلامس قلوبهم من مشاعر فريدة تحيط بلؤلؤة قلوبهم.. 

بقلم/ ريم عبدالرزاق 

11/7/2022


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كم أنت عظيم!

"لابد أنك تملك قوة خارقة لأنك لم تستسلم وخرجت للملأ ولم تتقوقع على ذاتك"، " إذا كان علي أن أعيش مثلك ما كنت لأحتمل ولربما كنت سأؤذي نفسي"، "ما أقواك أنت لم تدع الألم يعيقك، هذا فعلاً شيء عظيم" . لماذا يشعر المتفرجون الغرباء  بالحرية في الإدلاء بمثل هذه التعليقات للأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم؟ كيف تتوقعون أن تكون ردة فعل الأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم إزاء هذه النوعية من التعليقات؟   وبشكل أعم كيف يتم استقبالها وإدراكها من قبل الآخرين في سياق التفاعلات الاجتماعية ؟ سأتناول في هذا المقال بعض المفاهيم النفسية الاجتماعية من خلال دراسات وأبحاث علم النفس الاجتماعي للإعاقة والتي ركزت على عمليات التبادل الاجتماعي وعمليات إدراك الذات الخاصة بين الأشخاص ذوي الإعاقة. بداية لنطرح تساؤلاً وهو كيف تؤدي وجهات النظر المختلفة إلى استنتاجات مختلفة حول تجربة الإعاقة؟  نعم قد تكون الإعاقة مفهوم واحد متعارف عليه لكن إدراك هذه الإعاقة كيف سيكون؟ فحتى لو تشابه نوعها سيختلف إدراكها كلياً من شخص لآخر .. أول مفهوم من مفاهيم علم النفس الاجتماعي والذي سنفسر من خلاله إدراك المتفرجين ...
التميز المقيت  يقول عالم النفس ويليام جيمس "أعمق مبدأ في الطبيعة البشرية هو الرغبة أن يكون الشخص موضع تقدير" يسعى الفرد خلال حياته أن يكون متميزاً.. عبارة بديهية اعتدنا على سماعها.. بل واعتبرت علمياً واحدة من الاحتياجات الإنسانية فقد عبّر عنها ماسلو بالحاجة لتقدير الذات، وعبر عنها جلاسر بالحاجة للقوة .. من المعتاد بل من الطبيعي أن نجد من يكون متميزاً بطبيعته كأصحاب المواهب والإبداعات .. أو من يدركون نقاط قوتهم و مهاراتهم ويوظفونها لشق طريق تميزهم .. وهناك من يسعى أن يتميز في مجالات عدة كأن يسعى أن يتميز دراسياً   أو مهنياً .. الخ   أو أن يترك بصمات مؤثرة من تميزه التي قد يكون أقل آثارها   تغيير حياة الأفراد الآخرين للأفضل .. و لكن! ماذا إن كان السعي للتميز على النقيض بصور أخرى .. سلوكيات سلبية غير فعالة كثيرة إن تم تحليلها فسنجد واحدة من فرضيات تفسيرها هو   السعي نحو التميز بأي شكل و بأي ثمن .. فقط ليجلب له الأنظار و ليقال فلان فعل و فلان قال .. و ماهو إلا تميز مقيت مبني على توظيف نقاط قوة بشرية بطريقة سلبية و غير فعالة .. فمنهم من يحترف النقد على كل صغيرة و...