التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 




كيف يصنع تفكيرك واقعك

ما هو رأي العلوم المعرفية تجاه تجاربنا وخبراتنا في الحياة؟

حرر في 27 سبتمبر 2020 بواسطة الدكتورة جينيس فيور – نمضي قدمًا


ينزعج كثير من الناس من مفهوم " نحن من نصنع واقعنا" فهم يرون هذه الفكرة كرسالة للوم المتضرر ولا أحد يتمنى حدوث أشياء سيئة له، شخصيًا أتفهم الأمر كليًا ولكن بحكم خبرتي التي تخطت الخمسة عشر عاماً في مساعدة الناس على تغيير تفكيرهم وتصرفاتهم عن طريق العلاج المعرفي؛ فبوسعي القول بأننا بالفعل نخلق واقعنا بأنفسنا وإنكارنا لهذه الحقيقة سيسحق قوتنا.

دائمًا ما أخبر مرضاي بأن أمورنا في الحياة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أمور يمكننا التحكم بها وأمور نتأثر بها وأمور ليس بوسعنا التحكم بها.

الأحداث أو الأشياء التي لا نستطيع التحكم بها هي التي تحدث بشكل عشوائي في حياتنا كعدم قدرتنا على اختيار عائلاتنا وحدوث الزلازل والأوبئة والمرض والفصل من العمل وفقدان من نحب والحرائق وحوادث السيارات وغيرها من الأمثلة، هي ظروف وأحداث نعيشها ونحن على إدراك تام بها. 

أما الأمور التي نؤثر بها فهي أفعالنا التي نقوم بها تجاه من حولنا؛ فعلى سبيل المثال إذا دخلت إلى غرفة ووجدت شخصاً غريباً جالساً وقررت أن تصفع ذلك الشخص على وجهه فبتأكيد ستكون ردة فعله مختلفة عما إذا دخلت وأنت مبتسماً، فقد يقرر ذلك الشخص أن يفر منك أو ألا يفعل شيئاً أو أن يرد لك الصفعة.

إن الأمور التي نتحكم بها وهي قادرة على خلق واقعنا هي قدرتنا على تصور الأحداث وتفسيرها والتفكير بها؛ فتفيض مشاعرنا وتنبع تصرفاتنا تجاهها، فلا يمكن لأي أحد أن يختار لك أفكارك أو أفعالك إنما هي ملكٌ لك.

إذا كسر قلبك شخص ما وراودتك فكرة "لن أجد من يحبني مرةً أخرى" فستعيش في مرحلة تتخللها المشاعر السلبية؛ كالدخول في حالة اكتئاب على سبيل المثال وستتفاعل تصرفاتك وسلوكياتك مع هذه المشاعر على ذلك الأساس، ستمكث مثلًا على سريرك لوقت طويل، أما إذا كان تفكيرك بطريقة إيجابية مثل "أنا سعيد لأن هذا الأحمق خرج من حياتي" فسوف تشعر وتتصرف بطريقة أخرى فأنت الذي تختار كيف تفكر. 

ففي هذه النقطة يبدأ خلق الواقع جدياً، إذا فكرت في أفكارك مرارًا وتكرارًا واعتبرتها حقيقة فستصبح من المعتقدات وتصنع هذه المعتقدات أمر معرفي؛ حيث تبدأ بالتفكير في أحداث حياتك وتفسيرها، يعمل هذا المنظور كمرشح انتقائي يبدأ بفحص البيئة التي تحيطك للبحث عن دليل يتوافق مع ما تعتبره أنت صحيح، على سبيل المثال؛ إذا كان المعتقد الذي شكلته عندما انفصل عنك شريكك كالتالي: "أنا لست جذاب بما فيه الكفاية ثم ذهبت إلى حفلة ووجدت عشرة أشخاص يخبروك بأن مظهرك يبدو رائعاً، ثم أخبرك شخصًا واحدًا فقط بأن ملابسك تبدو غريبة فمن المحتمل أنك ستذهب إلى منزلك وتشغل بالك بتعليق الشخص الذي وصف مظهرك بالغرابة"، فقد تعتقد أن الأفكار الأخرى تتوافق مع معتقدك مثل؛ "لماذا دائماً اختار الملابس الرديئة؟ ليس لدي أسلوبي الخاص وكثير من الناس يبدون أجمل مني! فلا عجب أن شريكي تركني"، متجاهلًا العشرة أشخاص الذين أثنوا على مظهرك الرائع، لذا فأنت بحثت فقط عن الدليل الذي يتوافق مع معتقدك الذي اقتنعت به في سريرة نفسك.

إن نظام الترشيح الانتقائي في الدماغ والذي يشار إليه غالباً بالتهيئة يعمل على نموذج للتنشيط أو التثبيط فعندما يكون الدماغ ممتلئ باعتقاد معين للبحث عن شيءٍ ما؛ فإنه يغلق شبكات عصبية منافسة فتجد فمن الصعب أن ترى دليلاً يتعارض مع الاعتقاد القائم بالفعل، لهذا السبب يرى الناس الذين يعانون من الاكتئاب حياة أكثر إحباطاً، كما أنه سبب آخر لتكون مقتنعًا للغاية بأن نظرتك إلى العالم والحياة هي "الحقيقة"، ما لا يدركه أغلب الناس هو أنهم يشاركون في خلق رؤيتهم من الحقيقة.

أي أمر من محيطك تفكر به من خلال معتقداتك يصبح مفهومًا ذاتيًا وإن مفهومك الذاتي هو من "ما تعتقده أنت" حول نفسك الآن ومعتقد "أنا قادر" الذي يدل على قدرتك المستقبلية، ومن هذه المعتقدات "أنا" و"مقدرتي" فأنت تصنع قصصاً وروايات عن نفسك تخبر بها ذاتك والآخرين طوال اليوم، "أنا لست بارعاً بما فيه الكفاية.. أنا لست محبوبًا.. لا يمكنني أن أفعل ذلك.. أنا ذكي.. أنا أستطيع.. يمكنني تحقيق أهدافي" أنت بطل قصتك وأنت من يكتب أحداثها على أساس مفهومك الذاتي تجاه نفسك. 

لذا أنت تكتب قصك حسبما تظن أنه ممكن حدوثه بناءً على ما تعتقد أنه صحيح ثم تتخذ تصرفات تتوافق مع تلك التوقعات فعندما تتصرف بناءً على توقعاتك فسيحدث قبل اوانه؛ أي أنك تشارك في خلق تجربتك، على سبيل المثال؛ إذا لم يكن لديك مفهوم ذاتي إيجابي وكنت تخشى الرفض حين تذهب إلى موعد أو مقابلة شخصية لعمل، فمن المحتمل أن تشعر بالقلق وأن تتصرف بطريقة تؤدي إلى الرفض، من هنا تنشأ نبوءة تحقيق الذات ونتصرف بطريقة تجعل معتقداتنا حقيقة وهذا هوا ما نسميه بخلق واقعك.

أنت تشارك في خلق واقعك سواء كنت تعرفه أو لا فلا يوجد شيء سحري أو مرعب في هذا الأمر، هكذا تعمل أدمغتنا بكل بساطة، عندما تنكر أو ترفض أو لا تكون على دراية بهذا الأمر ستمتلك القليل من القوة وسينتابك شعور أنك ضحية حياتك، ولكن الاختيار يأتي مع الوعي عندما تبدأ في فهم العملية وتسخرها لصالحك فيمكنك أن تكون مسؤولاً عن الحياة التي تنشئها.

هل تحدث دائمًا أمور خارج نطاق سيطرتك؟ نعم! هذا أكيد ولكن ما تتحكم به هو كيفية التفكير والتصرف بشأن تلك الأحداث التي لا يمكن التحكم بها؛ أي كيف تقوم بصياغة حياتك وبناءها، لذا نجد أناس يزدهرون في أوقات الأزمات، هل هذا لأنهم محظوظون؟ لا، بل لأنهم يختارون رؤية الفرصة بدلاً من التحسر على ما حدث.

هل من السهل الخروج من القيادة الآلية والتحكم بهذه العملية؟ لا، كلما كانت حياتك صعبة ستجد من الصعب التحكم بهذا الأمر في بدايته ولكنه قابل للتنفيذ، كما هو الحال مع أي أمر آخر بمجرد أن تصل إلى نهايته يصبح أسهل. هذه حياتك وحدك وأنت من يستثمر فيها وليس أي أحد آخر والأمر يستحق المحاولة. سأنهي كلامي بأفضل مقولة قرأتها في حياتي من مقولات هنري فورد: "سواء كنت تظن أنك تستطيع أو لا تستطيع فأنت محق."

ترجمة /ريم عبدالرزاق

المصادر:

Vilhauer, J., Ph.D. (2020, September 27). How Your Thinking Creates Your Reality. Retrieved from https://www.psychologytoday.com/us/blog/living-forward/202009/how-your-thinking-creates-your-reality

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كم أنت عظيم!

"لابد أنك تملك قوة خارقة لأنك لم تستسلم وخرجت للملأ ولم تتقوقع على ذاتك"، " إذا كان علي أن أعيش مثلك ما كنت لأحتمل ولربما كنت سأؤذي نفسي"، "ما أقواك أنت لم تدع الألم يعيقك، هذا فعلاً شيء عظيم" . لماذا يشعر المتفرجون الغرباء  بالحرية في الإدلاء بمثل هذه التعليقات للأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم؟ كيف تتوقعون أن تكون ردة فعل الأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم إزاء هذه النوعية من التعليقات؟   وبشكل أعم كيف يتم استقبالها وإدراكها من قبل الآخرين في سياق التفاعلات الاجتماعية ؟ سأتناول في هذا المقال بعض المفاهيم النفسية الاجتماعية من خلال دراسات وأبحاث علم النفس الاجتماعي للإعاقة والتي ركزت على عمليات التبادل الاجتماعي وعمليات إدراك الذات الخاصة بين الأشخاص ذوي الإعاقة. بداية لنطرح تساؤلاً وهو كيف تؤدي وجهات النظر المختلفة إلى استنتاجات مختلفة حول تجربة الإعاقة؟  نعم قد تكون الإعاقة مفهوم واحد متعارف عليه لكن إدراك هذه الإعاقة كيف سيكون؟ فحتى لو تشابه نوعها سيختلف إدراكها كلياً من شخص لآخر .. أول مفهوم من مفاهيم علم النفس الاجتماعي والذي سنفسر من خلاله إدراك المتفرجين ...
التميز المقيت  يقول عالم النفس ويليام جيمس "أعمق مبدأ في الطبيعة البشرية هو الرغبة أن يكون الشخص موضع تقدير" يسعى الفرد خلال حياته أن يكون متميزاً.. عبارة بديهية اعتدنا على سماعها.. بل واعتبرت علمياً واحدة من الاحتياجات الإنسانية فقد عبّر عنها ماسلو بالحاجة لتقدير الذات، وعبر عنها جلاسر بالحاجة للقوة .. من المعتاد بل من الطبيعي أن نجد من يكون متميزاً بطبيعته كأصحاب المواهب والإبداعات .. أو من يدركون نقاط قوتهم و مهاراتهم ويوظفونها لشق طريق تميزهم .. وهناك من يسعى أن يتميز في مجالات عدة كأن يسعى أن يتميز دراسياً   أو مهنياً .. الخ   أو أن يترك بصمات مؤثرة من تميزه التي قد يكون أقل آثارها   تغيير حياة الأفراد الآخرين للأفضل .. و لكن! ماذا إن كان السعي للتميز على النقيض بصور أخرى .. سلوكيات سلبية غير فعالة كثيرة إن تم تحليلها فسنجد واحدة من فرضيات تفسيرها هو   السعي نحو التميز بأي شكل و بأي ثمن .. فقط ليجلب له الأنظار و ليقال فلان فعل و فلان قال .. و ماهو إلا تميز مقيت مبني على توظيف نقاط قوة بشرية بطريقة سلبية و غير فعالة .. فمنهم من يحترف النقد على كل صغيرة و...