هذا ليس مهم ! الأهم كذا و كذا
جملة انتشرت بشكل كبير في حواراتنا و لم ندرك كم تحمل في باطنها سمات لا تمت للمهارات الاجتماعية بصلة ..
تدخل السيدة مجلساً و تبدأ بالحوار و تتحدث في موضوع لتجد من يقاطعها و يقول هذا ليس مهماً الأهم كذا و كذا .. فتسكت و تومئ برأسها لتحصل على القبول الاجتماعي من المجموعة فتوافق على أمر في أعماقها لا يمثل لها أي أهمية .. أو على النقيض نجد الأخرى الأكثر ثقة التي تستمر في التمسك برأيها لتظهر بمظهر المتعنتة و هي في الواقع تمارس حقها الطبيعي فيما يهمها في موضوع ما ..
و تأتي الثالثة المتعقلة التي تتمتع بذكاء وجداني و مهارات اجتماعية عالية لترد على صديقتها بابتسامة راقية و تقول زاوية مختلفة مثيرة للاهتمام نظرتِ منها للقضية وهي تمثل رأيك الذي أحترمه و لكني أنظر للموضوع من ناحية أخرى ..
مجرد اختلافات طبيعية في أولوياتنا و في إدراكاتنا المختلفة للأمور لأننا ببساطة لسنا نسخاً مكررة من بعضنا البعض ..
ثقافة الاختلاف لا تتجسد فقط في الاختلاف في وجهات النظر و الآراء بل إنها تتجسد حتى في الزوايا التي ننظر منها لبعض القضايا أو التفصيلات التي نهتم بها ..فلنأخذ قضية الأشخاص ذوي الإعاقة على سبيل المثال ، لنتذكر أن بها آلاف التفصيلات ..
فقد أكون أم لم أجد مدرسة لابنتي فمن الطبيعي أن يكون هذا الموضوع أولويتي التي أصدح بها في كل محفل.. أم أخرى تعرضت لموقف نُعِت فيه طفلها بمتخلف فأصبح موضوع المسميات المثير للجدل شغلها الشاغل و أولويتها و قضيتها .. و أخرى عانت من مختص يعاملها بمنتهى الفوقية العلمية فيصبح موضوع الحس الإنساني مع الأشخاص ذوي الإعاقة قضيتها .. و الأخيرة عانت من دجل المعالجين الشعبيين لتغرد بهذا الموضوع ليل نهار و غيرها و غيرها ..
حقهم .. حياتهم ..أولوياتهم و لكل واحدة منهم الاحترام و التقدير و التفهم !
لنتخيل معاً هذه القضية كلوحة أحجية لها مئات القطع كل منا يحمل معه قطعة ..هل سنحصل على لوحة متكاملة إن سفهنا الآراء و سطحنا القضايا و ألجمنا الأفواه لمجرد أنها لا تهمنا ..
لا لتسفيه الآراء .. لا لتسفيه إدراكاتنا المختلفة للتجارب .. لا لتسفيه الزاوية التي ينظر منها الآخر للأمور .. فلنتقبل بعضنا البعض كما نحن بأفكارنا و آراءنا و الزوايا التي ننظر منها للأمور ..
فما أراه مهماً قد لا يمس أولوياتك بذرة ربما لأنه لم يؤلمك .. و ما يهمك قد لا يهمني ، بكل بساطة لأني لم أعش ما عشته .. لكن واجبي هنا يكمن في الشعور بك على الأقل و السماح لك بممارسة حقك الطبيعي في التعبير بدون أي تقليل من أهميته.
فلنترك لبعضنا البعض مساحة من الحرية عند التحدث ، و لنفعّل لباقة الحديث .. لنلغي بعض الكلمات من قاموسنا اللغوي .. مثل هذا سطحي .. هذه قشور .. هذا أمر تافه ..
لنستبدل جملة "هذا ليس مهم و لكن الأهم" بجملة "زاوية مختلفة نظرت منها ، أو زاوية مثيرة للاهتمام حقاً لم أفكر بها و لكن من وجهة نظري أرى ......"
تذكر أنك لا تعلم كم عانى الشخص الذي أمامك من اللامهم الذي تعتقده !
كله مهم ! ستكتمل اللوحة يوماً ما إن آمنا بأهمية ما يفكر به الآخرين .. و إن احترمنا خبراتهم و تجاربهم .. و تركنا مساحة مفتوحة في تفكيرنا كي نعيش في خيالنا لوهلة ما يعيشونه علّنا نتعاطف و ندرك المهم في حياة الآخرين.
✍🏻 ريم عبدالرزاق

مقال رائع جدا 🌹
ردحذف