التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما الذي يميزهم ؟

ما الذي يميزهم ؟

ربما هذا هو السؤال الأول الذي سيتردد على مسامعنا عند عودتنا لأرض الوطن بعد أن قضينا أشهراً  في واحدة من
الدول المتطورة .. و من الطبيعي أن كلاً منا سيجيب من منظوره الخاص .. طبقاً لعملية الانتباه الانتقائي التي يلجأ إليها عقل
الفرد بطريقة لا شعورية في المواقف ، و ذلك قد يرجع للعديد من العوامل منها : اهتمامات الفرد ، خلفيته الثقافية ، خبراته
السابقة، ميوله الشخصية وغيرها .. وبالطبع لا بأس في هذا ، بل إن ذلك هو الذي يشكل الصورة التكاملية لبني البشر والتي قد
أستخدم اللون الوردي في تلوينها و تستخدم أنت اللون السماوي و يستخدم الآخر اللون الأخضر العشبي .. مما يضفي جمالاً وروعة
لا مثيل لها للصورة.
عدستي التي أرتديها تجعلني أتأمل هذا السؤال من المنظور النفسي الإنساني لهذه البلاد الغربية المتطورة .. تعمقاً وتأملاً 
وليس انبهاراً وتعظيماً .. ولعل أبرز ما التقطته عدستي غير التعميمية هو بعض الصور التي تتجلى فيها : الإيجابية الواقعية 
غير الأفلاطونية في تناول الأمور ، وأعني بذلك برمجة العقل على إدراك الجانب المشرق للأمور و التركيز الفوري على
 إيجاد الحلول ، مع الاعتراف بالجانب المظلم ومحاولة إضاءته بشتى الطرق الممكنة . 
مما التقطته عدستي أيضاً احترام إنسانية الفرد .. واحترام تفرده . . بمعنى أننا لسنا نسخاً مكررة من بعضنا البعض فأنت لك
 ما يميزك و أنا لي ما يميزني وهذا طبيعي .. وبصمة إصبعي خير مثال على ذلك.. هذا التفرد الذي لا يتعارض
مع المهارات الاجتماعية العالية . من لطافة وابتسامة و احترام وتقدير ورقي في التعامل.
كذلك من أروع  الصور الملتقطة المزيج المتوازن بين الاعتزاز بالنفس و التواضع مع الآخرين .. فثقتي بنفسي لا تعني أني أفضل من 
الآخر لكنها تعكس تقديري العالي لذاتي ، و في ذات الوقت احترامي وتقديري العالي لميزات و مهارات الآخرين مهما كان دورهم.
من الصور الجميلة أيضاً الإشادة بمزايا الآخرين و الفرح لإنجازاتهم .. التعاطف و الإحساس بهم .. تقبلهم و احترام آراءهم .. ليس
تنظيراً بل قولاً وفعلاً . أضف إلى ذلك الابتعاد عن التفسير الشخصي لما يقال ، ولعل العقول انشغلت بالعلم فتناست الوهلة
الأشخاص من أبرز الصور كذلك الميل للابتعاد عن إطلاق الأحكام، وحسن الظن بالآخر، والبعد عن تفسير النوايا.. فما أفعله ليس بالضرورة
أن يكون دافعه ما يعتقد الآخر عني ، فأنا في النهاية مسؤول عما أقوله و أفعله لا عما يفهمه الآخرون.
المتأمل في الصور السابقة يجد أن ديننا العظيم هو منبع هذه المهارات .. قرآننا الكريم و أحاديث حبيبنا المصطفى صلى الله عليه و
سلم هي نهر جار تتدفق منه هذه المعاني .. مهارات اجتماعية نموذجية تجسدت في شخصيته عليه أفضل الصلاة و التسليم.
لم أرَ مبان فارهة. ولا تكنولوجيا باهرة .. ولا ميزانيات مليونية .. بل وجدت عقولاً أشغلها العلم .. و أرواحا معتزة بهويتها وثقافتها.
وفكراً متعطشاً للتعرف على ثقافات الآخرين و التعلم منها.. ولا أستطيع أن أغفل الصورة المتألقة من البساطة والمرونة الفكرية
والمعرفية التي يتميز بها الكثير .. وجدت أيضاً تقبلاً وتقديراً لما قد أراه أبسط الإنجازات وتراه يا صديقي الغالي أروع الإنجازات
كنت أرى أن الأغلب منشغل بري حديقة منزله عن مقارنتها بحديقة جاره مما ألهمني بفكرة أن الناجح المميز هو من لا يرى في نجاح
و إنجازات الآخرين تهديداً لنجاحه لأنه موقن أننا بفطرتنا ذوي البشر نميل أن نكون جميعنا ناجحين منجزين ، وكيف لا و نحن
خلفاء الله في هذه الأرض و أمرنا بتعميرها.
واخيرا أختم تأملاتي بأننا ولحسن الحظ نملك هذه الكنوز من المعاني في ديننا العظيم .. و ما علينا إلا أن نفتح هذا الصندوق و
نخرج المزيد من هذه الحلي و الجواهر ونتزين بها لنزداد تألقاً وجمالاً ورقياً يبهر الألباب.

 ريم عبد الرزاق
22/6/2017 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كم أنت عظيم!

"لابد أنك تملك قوة خارقة لأنك لم تستسلم وخرجت للملأ ولم تتقوقع على ذاتك"، " إذا كان علي أن أعيش مثلك ما كنت لأحتمل ولربما كنت سأؤذي نفسي"، "ما أقواك أنت لم تدع الألم يعيقك، هذا فعلاً شيء عظيم" . لماذا يشعر المتفرجون الغرباء  بالحرية في الإدلاء بمثل هذه التعليقات للأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم؟ كيف تتوقعون أن تكون ردة فعل الأشخاص ذوي الإعاقة أو أسرهم إزاء هذه النوعية من التعليقات؟   وبشكل أعم كيف يتم استقبالها وإدراكها من قبل الآخرين في سياق التفاعلات الاجتماعية ؟ سأتناول في هذا المقال بعض المفاهيم النفسية الاجتماعية من خلال دراسات وأبحاث علم النفس الاجتماعي للإعاقة والتي ركزت على عمليات التبادل الاجتماعي وعمليات إدراك الذات الخاصة بين الأشخاص ذوي الإعاقة. بداية لنطرح تساؤلاً وهو كيف تؤدي وجهات النظر المختلفة إلى استنتاجات مختلفة حول تجربة الإعاقة؟  نعم قد تكون الإعاقة مفهوم واحد متعارف عليه لكن إدراك هذه الإعاقة كيف سيكون؟ فحتى لو تشابه نوعها سيختلف إدراكها كلياً من شخص لآخر .. أول مفهوم من مفاهيم علم النفس الاجتماعي والذي سنفسر من خلاله إدراك المتفرجين ...
التميز المقيت  يقول عالم النفس ويليام جيمس "أعمق مبدأ في الطبيعة البشرية هو الرغبة أن يكون الشخص موضع تقدير" يسعى الفرد خلال حياته أن يكون متميزاً.. عبارة بديهية اعتدنا على سماعها.. بل واعتبرت علمياً واحدة من الاحتياجات الإنسانية فقد عبّر عنها ماسلو بالحاجة لتقدير الذات، وعبر عنها جلاسر بالحاجة للقوة .. من المعتاد بل من الطبيعي أن نجد من يكون متميزاً بطبيعته كأصحاب المواهب والإبداعات .. أو من يدركون نقاط قوتهم و مهاراتهم ويوظفونها لشق طريق تميزهم .. وهناك من يسعى أن يتميز في مجالات عدة كأن يسعى أن يتميز دراسياً   أو مهنياً .. الخ   أو أن يترك بصمات مؤثرة من تميزه التي قد يكون أقل آثارها   تغيير حياة الأفراد الآخرين للأفضل .. و لكن! ماذا إن كان السعي للتميز على النقيض بصور أخرى .. سلوكيات سلبية غير فعالة كثيرة إن تم تحليلها فسنجد واحدة من فرضيات تفسيرها هو   السعي نحو التميز بأي شكل و بأي ثمن .. فقط ليجلب له الأنظار و ليقال فلان فعل و فلان قال .. و ماهو إلا تميز مقيت مبني على توظيف نقاط قوة بشرية بطريقة سلبية و غير فعالة .. فمنهم من يحترف النقد على كل صغيرة و...